الشيخ عبد الغني النابلسي
161
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) [ التوبة : 128 ] ، فرحمته المقيدة به هي ذلك الحال الخاص ( ما عمم ) صلّى اللّه عليه وسلم في جميع الأحوال ولو عمم لبقي الخلق كلهم على ما هم عليه ( وفي هذا الحال الخاص ) المذكور ( تقدم ) صلّى اللّه عليه وسلم وهو متخلق به بطريق التقلب ( على ) غيره من ( الأسماء الإلهية ) كمن يمسك بيده ذبابة وهو قاصد إهلاكها ، ثم يقصد رحمتها والرأفة بها ، فيشفع القصد الثاني عند القصد الأوّل ، أي يصير معه قصدين بعد أن كان الأوّل قصدا واحدا والاثنان هما الشفع ، فيخفف من يضيق يده على تلك الذبابة وربما أطلقها ، ثم بينه بقوله . ( فإن ) الاسم ( الرحمن ) ، وهو ظهور الرحيم كمال الظهور حتى يعم المؤمن والكافر ، ولهذا الشفاعة في فصل القضاء تعم المؤمن والكافر ولكن المقصود بها المؤمنون والكافرون بالتبعية ، وهو الرحمة العامة والحال العام لا الخاص ، لأنه من اللّه زيادة على ما طلبه النبي عليه السلام كما قال تعالى : * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] فالحسنى لطلبهم لها بإحسانهم والزيادة لبقاء الإطلاق في التقييد ، فما من العبد مقيد وما من الرب مطلق ، ونظيره من النبي صلّى اللّه عليه وسلم في جواب سؤال من دونه له عن ماء البحر ، فقال عليه السلام : « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » « 1 » فأجاب عن أكثر من سؤال السائل للتخلق بأخلاق اللّه سبحانه ( ما شفع ) ، أي صار شفعا ( عند ) الاسم ( المنتقم ) حتى يرفع من انتقامه ( في أهل البلاء ) في الدين كالكافرين والفاسقين ( إلا بعد شفاعة الشافعين ) الكثيرين من حيث كثرة الصور الظاهرة في الحقائق الرحيمية المنبعثة من الحقائق الرحمانية ، لتتقابل الصور الرحمانية بالصور الانتقامية ، فيخفف البلاء المذكور في ذلك الموقف . ( ففاز محمد صلّى اللّه عليه وسلم ) دون غيره من المرسلين ( بالسيادة ) المشار إليها بقوله عليه السلام : « أنا سيد ولد آدم » « 2 » الحديث . ( في هذا المقام الخاص ) الذي هو مقام جمع الأوّلين والآخرين الذين هم صور جميع الأسماء الإلهية المتخلق بها صلّى اللّه عليه وسلم ( فمن فهم المراتب ) النبوية والرسولية ( والمقامات ) الأخروية الإلهية ( لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام ) في حقيقة الشفاعة وغيرها ، ومن لم يفهم ذلك بالفهم الوجداني بل بالفهم الخيالي النفساني فهو بعيد عن ذلك محجوب عن كشف ما هناك . * * *
--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك في أبواب عدة منها : كتاب الطهارة ، حديث رقم ( 491 ) [ 1 / 237 ] وابن حبان في صحيحه ، ذكر الخبر المدحض . . ، حديث رقم ( 1243 ) [ 4 / 49 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .